العيني
4
عمدة القاري
صالح للقليل والكثير انتهى . قلت : فيه نظر لا يخفى ، وإنما جمعه باعتبار المبتاع ومن معه من أهل الخصومات بقرينة قوله : يتبايعون . قوله : ( فأما لا ) ، أصله : فإن لا تتركوا هذه المبايعة ، فزيدت كلمة : ما ، للتوكيد ، وأدغمت النون في الميم وحذف الفعل . وقال الجواليقي : العوام يفتحون الألف والصواب كسرها ، وأصله : أن لا يكون كذلك الأمر فافعل هذا ، و : ما ، زائدة وعن سيبويه : أفعل هذا إن كنت لا تفعل غيره ، لكنهم حذفوا لكثرة استعمالهم إياه . وقال ابن الأنباري : دخلت : ما ، صلة كقوله عز وجل : * ( فإما ترين من البشر أحدا ) * ( مريم : 62 ) . فاكتفى : بلا ، من الفعل كما تقول العرب : من سلم عليك فسلم عليه ومن لا ، يعني : ومن لا يسلم عليك فلا تسلم عليه ، فاكتفى ، بلا ، من الفعل وأجاز : من أكرمني أكرمته ، ومن لا . . معناه : من لا يكرمني لم أكرمه ، وقد أمالت العرب : لا ، إمالة خفيفة ، والعوام يشبعون إمالتها فتصير ألفها ياءً ، وهو خطأ ومعناه : إن لم يكن هذا فليكن هذا ، قيل : وإنما يجوز إمالتها لتضمنها الجملة ، وإلاَّ فالقياس أن لا تمال الحروف . وقال التيمي : قد تكتب : لا ، هذه بلام وياء وتكون : لا ، ممالة ، ومنهم من يكتبها بالألف ويجعل عليها فتحة محرفة علامة للإمالة ، فمن كتب بالياء تبع لفظ الإمالة ، ومن كتب بالألف تبع أصل الكلمة . قوله : ( حتى يبدو صلاح الثمر ) ، صلاح الثمر هو أن يصير إلى الصفة التي يطلب كونه على تلك الصفة . وهو بظهور النضج والحلاوة وزوال العفوصة وبالتموه واللين وبالتلون وبطيب الأكل ، وقيل : هو بطلوع الثريا ، وهما متلازمان . قوله : ( كالمشورة ) ، بفتح الميم وضم الشين المعجمة وسكون الواو على وزن فعولة ، ويقال بسكون الشين وفتح الواو على وزن مفعلة . وقال ابن سيده : هي مفعلة لا مفعولة لأنها مصدر ، والمصادر لا تجيء على مثال مفعولة ، وقال الفراء : مشورة قليلة ، وزعم صاحب الثقيف والحريري في آخرين : أن تسكين الشين فتح الواو مما لحن فيه العامة ، ولكن الفراء نقله ، وهي مشتقة من شرث العسل إذا اجتنيته ، فكان المستشير يجتني الرأي من المشير ، وقيل : أخذ من قولك : شرت الدابة ، إذا أجريتها مقبلة ومدبرة لتسبر جريها وتختبر جوهرها ، فكان المستشير يستخرج الرأي الذي عند المشير ، وكلا الإشتقاقين متقارب معناه من الآخر ، والمراد بهذه المشورة : أن لا يشتروا شيئا حتى يتكامل صلاح جميع هذه الثمرة لئلا تجري منازعة . قوله : ( وأخبرني ) أي : قال أبو الزناد : وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت ، وإنما قال بالواو عطفا على كلامه السابق ، وخارجة بالخاء المعجمة والجيم هو أحد الفقهاء السبعة . قوله : ( حتى تطلع الثريا ) ، وهو مصغر الثروي ، وصار علما للنجم المخصوص ، والمعنى : حتى تطلع مع الفجر ، وقد روى أبو داود من طريق عطاء عن أبي هريرة مرفوعا : إذا طلع النجم صباحا رفعت العاهة عن كل بلد ، وفي رواية أبي حنيفة عن عطاء : رفعت العاهة من الثمار والنجم هو الثريا ، وطلوعها صباحا يقع في أول فصل الصيف ، وذلك عند اشتداد الحر في بلاد الحجاز وابتداء نضج الثمار ، والمعتبر في الحقيقة النضج وطلوع النجم علامة له ، وقد بينه في الحديث بقوله : ويتبين الأصفر من الأحمر . قال أبو عَبْدِ الله رَوَاهُ عَلِيُّ بنُ بَحْرٍ . قال حدثنا حَكَّامٌ قال حدَّثنا عَنْبَسَة عنْ زَكَرِيَّاءَ عنْ أبِي الزِّنادِ عنْ عُرْوَةَ عنْ سَهْلٍ عنْ زَيْدٍ أبو عبد الله هو البخاري ، رحمه الله تعالى . قوله : ( رواه ) ، أي : روى الحديث المذكور علي بن بحر ضد البر القطان الرازي وهو أحد شيوخ البخاري ، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين ، وحكام ، على وزن فعال بالتشديد للمبالغة : ابن سلم ، بفتح السين المهملة وسكون اللام ، وهو أيضا رازي ، توفي سنة تسعين ومائة ، وعنبسة ، بفتح العين المهملة وسكون النون وفتح الباء الموحدة والسين المهملة : ابن سعيد بن ضريس ، بالضاد المعجمة مصغر ضرس كوفي ، ولي قضاء الري فعرف بالرازي ، وليس لعنبسه هذا في البخاري سوى هذا الموضع الموقوف ، كذا لشيخه زكريا بن خالد الرازي ، ولا يعرف له راوٍ غير عنبسة ، وأبو الزناد عبد الله ابن ذكوان ، وعروة هو ابن الزبير بن العوام ، وسهل هو ابن أبي حثمة ، وزيد هو ابن ثابت الأنصاري . وقد روى أبو داود حديث الباب من طريق عنبسة بن خالد عن يونس بن يزيد ، قال : سألت أبا الزناد عن بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه وما ذكر في ذلك ؟ فقال : كان عروة بن الزبير يحدث عن سهل بن أبي حثمة عن زيد بن ثابت ، قال : كان الناس يتبايعون الثمار قبل أن يبدو صلاحها . . . الحديث ، فذكره نحو حديث الباب ، وعنبسة بن خالد هذا غير عنبسة بن سعيد فافهم .